سيارة علي.. لنقل المرضى مجانا بالجزائر

الثلاثاء 27 فبراير 2018 21 : 09
سيارة علي.. لنقل المرضى مجانا بالجزائر
الجزيره
في ركن منزو بجوار إحدى المصحات الخاصة بمدينة قسنطينة الجزائرية يجلس الخمسيني علي القرفصاء، وملامح القلق تبدو على وجهه الذي ارتسمت عليه تجاعيد تجسد رحلة سنوات مضت.
بين الفينة والأخرى يتفقد علي ساعته، ومن حين لآخر يختلس النظر إلى مدخل المصحة يترقب، ويستطلع من الداخل والخارج، بينما ينفث دخان سيجارته، لعلها تمنحه بعض الهدوء والسكينة.
بجنب علي يجلس رفيقه محمد، ليتقاسم معه مشاعر القلق والترقب والانتظار، فالرجلان قادمان من مدينة باتنة البعيدة لمسافة 120 كيلومترا من قسنطينة، من أجل علاج قريبهما المصاب بمرض القصور الكلوي.
زاد من وقع الانتظار فصول المعاناة التي عاشها الرجلان بسبب هذا المرض، وضيق ذات اليد، وعدم قدرتهما على تحمل أعباء العلاج، وتكاليف النقل لمتابعة جلساته العلاجية المتكررة.
تفاصيل وحمل
وبينما يغرق محمد في سرد تفاصيل من يومياته مع مرض قريبه، التحق بهما شاب في الثلاثينيات من عمره، وبادرهما بالسؤال عن موعد خروج المريض من المصحة، وهنا أشار محمد إلى هذا الشاب قائلا "إنه علي الشاب الخلوق الذي أزاح عن كاهلنا حملا ثقيلا حينما سخّر لنا سيارته دون مقابل من أجل نقل المريض".
كما أشار محمد بيده إلى السيارة المركونة أمام مدخل المصحة وقد كتب على بابها وزجاجها الأمامي والخلفي "نقل المرضى مجانا داخل وخارج الوطن"، مع كتابة رقم الهاتف الشخصي لصاحب السيارة.
علي المشهور باسم حمزة وصاحب الـ33 ربيعا والأب لطفلين روى للجزيرة نت قصته، وكيف جاءته فكرة نقل المرضى للعلاج دون مقابل داخل وخارج بلاده.
وبخجل، قدم نفسه على أنه "مجرد شاب عادي يبيع بضاعته متنقلا بين الأسواق"، لكنه وبثقة كبيرة أكد أنه "إذا كان الربح المادي غايته من التنقل بين الأسواق، فإن أجر وثواب الآخرة هو غايته من تجارته الرابحة مع المرضى والمحتاجين".
معاناة المرضى
ورغم أن شغفه لمساعدة الآخرين طبع تأصل فيه مذ كان صغيرا، فإن تنقلاته بين مختلف المستشفيات الجزائرية لعلاج أمه التي عانت ولا تزال تعاني من مرض القصور الكلوي هو ما سمح له بالاحتكاك مع فئات واسعة من المرضى، وهناك وقف على معاناة الناس مع المرض، ومعاناتهم أكثر مع قلة ذات اليد، ومع الفقر والحاجة، لذلك عاهد نفسه "ألا يرفض طلب محتاج"، فكان نقل المرضى مجانا الوسيلة التي أشبعت نهمه لفعل الخير، ومساعدة المحتاجين.
ويعد مرضى القصور الكلوي من الفئات التي تعاني في صمت، حيث يوجد 300 مركز لتصفية الدم على مستوى الجزائر التي تحوي قرابة 600 جهاز غسل للكلى، منها 60 مركزا على مستوى العاصمة، في حين يضطر مرضى في ولايات بالجنوب للتنقل عشرات الكيلومترات من أجل الوصول إلى مراكز العلاج.
علي الذي كان ينقل سابقا مرضاه بالسيارة التي كان يقل بها بضائعه للأسواق، وبعد أن فتحت له أبواب الرزق اقتنى سيارة جديدة، ووضعها تحت تصرف المرضى بشكل كامل، وخلال الأشهر الأخيرة نقل أكثر من عشرة مرضى للعلاج في المصحات التونسية، آخرهم طفل مريض من منطقة ثنية العابد بولاية باتنة نقله لإجراء عملية جراحية على إحدى عينيه. 
وتقديرا لمبادرته، سارعت العديد من المنظمات الخيرية والمدنية للتواصل مع علي من أجل دعوته إلى الانتساب لها، غير أنه اعتذر عن ذلك، لأنه يريد -حسب حديثه- أن يبقى مستقلا.
درس ورسالة
وفي الوقت الذي كشف فيه عن استقبال عشرات المكالمات يوميا من المرضى وذويهم، إلا أنه قال بكل حزن وأسف إن "هذه السيارة لا يمكنها أن تقل كل مرضى الجزائر، لكنها درس ورسالة إلى كل رجال المال والأعمال، هؤلاء بإمكان كل واحد منهم أن يقتني سيارة مماثلة، ويضعها في خدمة المحتاجين والفقراء من المرضى، وحلمي أن تكون في كل محافظة سيارة مماثلة قد تساهم في إنقاذ حياة شخص ما".
وخلال يومياته مع المرضى، تعرض علي لمواقف إنسانية حفزته أكثر على مواصلة مشواره، وهو يتذكر جيدا ذاك المريض من ولاية خنشلة الذي أخبره الأطباء بولاية باتنة بفقدان أي أمل في استعادة بصره، لكنه أعاد له الحياة وأعاد له الأمل بعد أن نقله إلى العاصمة، وهناك أخبره الأطباء بإمكانية علاجه، وبعد أن كانت رحلة الذهاب للعاصمة محفوفة بمشاعر الحزن والخيبة، كانت رحة العودة على وقع الغناء والرقص فرحا وطربا بالخبر السعيد.
وتأتي مبادرة هذا الشاب في وقت يشهد فيه قطاع الصحة في الجزائر غليانا واسعا على وقع اضرابات واسعة للأطباء منذ أكثر من ثلاثة أشهر، للمطالبة بتحسين شبكة الأجور، وتحسين ظروف العمل في المستشفيات الحكومية التي تعاني أوضاعا متردية وفساد كبير، رغم أن الحكومة ترصد سنويا ميزانية كبيرة وصلت في موازنة 2018 إلى نحو 3.3 مليارات دولار.
المصدر : الجزيرة

التعليقات