الإبادة المبيتة

الثلاثاء 27 فبراير 2018 19 : 07
الإبادة المبيتة
الجزيره

توصلت وحدة التحقيقات الاستقصائية في الجزيرة إلى ما يمكن أن يرقى إلى دليل قوي، على أن إبادة جماعية ارتكبت بتنسيق من حكومة ميانمار ضد شعب الروهينغا، وذلك بحسب تقييم أعدته كلية الحقوق في جامعة ييل، ويكشف التحقيق الحصري أن الحكومة هي التي أشعلت العنف المجتمعي الفتاك لتحقيق مكاسب سياسية.
كما أمضت عيادة جامعة ييل ثمانية شهور لدراسة الأدلة الواردة من ميانمار، بما في ذلك وثائق وشهادات قدمتها لها الجزيرة ومجموعة فورتيفاي رايتس للدفاع عن حقوق الإنسان، أخذاً بعين الاعتبار حجم الفظائع التي ارتكبت، والطريقة التي يتحدث بها السياسيون عن الروهينغا، والتي تجعل من الصعوبة بمكان تجنب الخلوص إلى أن النية كانت مبيتة لارتكاب إبادة جماعية.
وبحسب الأدلة التي حصلت عليها وحدة التحقيقات في الجزيرة، فإن الحكومة كانت تبادر إلى افتعال العنف المجتمعي بهدف تحقيق مكاسب سياسية، من خلال التحريض على أعمال الشغب ضد المسلمين، واستخدام خطاب الكراهية لزرع الرعب في نفوس الميانماريين تجاه المسلمين، وكذلك توزيع الأموال على الجماعات البوذية المتطرفة التي ألقت بكل ثقلها وراء القيادة.
افتعال الاضطرابات
وفي مقابلة حصرية مع وحدة التحقيقات بشبكة الجزيرة، وصف ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية كيف كانوا يختلطون بالمواطنين العاديين، وكانوا ينتشرون في كل مكان، ويتظاهرون بأنهم باعة للماء المثلج أو أنهم عمال تنظيف أو باعة متجولون. وبعض الضباط المتخفين كانوا يتظاهرون بأنهم "معتوهون".
ووصف الضابط الذي تقاعد قبل عام ٢٠١٢ كيف استخدم جهاز المخابرات عملاء لإثارة المشاكل بين المسلمين والبوذيين، وقال "دخل هؤلاء الناس بشكل متعمد إلى مناطق سكن المسلمين، وافتعلوا المشاكل عبر توجيه إهانات للإسلام، ومن خلال ضرب المسلمين والاعتداء عليهم".
وبحسب ضابط الاستخبارات السابق، يخشى العسكر من مغبة انتقال أي نوع من السلطة إلى المؤسسات الديمقراطية، ويقول "هؤلاء المحتكرون للسلطة يخشون من أن يفقدوا مواقعهم، ولذلك فهم يستخدمون الدين وسيلة لتحقيق مآربهم وخدمة مصالحهم السياسية".
ومع اقتراب أول انتخابات عامة منذ ٢٥ عاماً، من المفترض أن تجرى في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني القادم، تكشف شهادات الشهود والأدلة الموثقة التي حصلت عليها الجزيرة أن حزب الاتحاد للتضامن والتنمية الحاكم والمدعوم من قبل العسكر حاول تهميش المسلمين مستهدفاً الروهينغا. 
قانونيون وحقوقيون
واستعان التحقيق الجديد، الذي يقدم من خلال برنامج وثائقي جديد عنوانه "الإبادة المبيتة"، بعدد من الخبراء القانونيين والدبلوماسيين لمعرفة ما إذا كانت حملة الحكومة ترقى إلى الإبادة المنظمة.
تقول بيني عرين الأستاذة في جامعة لندن ومديرة المبادرة الدولية الخاصة بجرائم الدولة "الرئيس ثين سين الذي ينتمي لحزب الاتحاد للتضامن والتنمية، على استعداد لاستخدام خطاب الكراهية لتحقيق مآرب الحكومة، وهي تهميش وعزل وتقليص أعداد المسلمين داخل ميانمار"، وتصف ما تعرض له الروهينغا بالقول "إنه جزء من عملية إبادة جماعية".
وخلص تقرير أعدته المبادرة الدولية الخاصة بجرائم الدولة إلى أن أحداث الشغب التي وقعت عام 2012، التي شهدت صراعا بين الرهبان البوذيين من إثنية الراخينة من جهة والمسلمين الروهينغا من جهة أخرى، كانت قد خطط لها مسبقا، ونجم عن العنف مقتل المئات وتشريد أعداد أكبر من ذلك بكثير بعد إضرام النيران بآلاف البيوت.
تقول غرين "لم يكن ذلك عنفا مجتمعيا، بل كان عنفا أعد له مسبقا، ونظمت لإنجازه حافلات سريعة، لجلب البوذيين الراخينة من المناطق الخارجية ليشاركوا في العدوان"، وتؤكد أنه تم تزويد المشاركين بالمرطبات والطعام، "لا بد أن شخصا ما دفع تكاليف ذلك، وكل هذا يشير بوضوح إلى أن الأمر كان قد دبر مسبقا وخطط له بعناية".
بدوره، دعا المقرر السابق لدى الأمم المتحدة بشأن ميانمار توماس أوجيا كوينتانا إلى التحقيق مع كل من الرئيس فين سين من حزب الاتحاد للتضامن والتنمية ووزراء الداخلية والهجرة بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.
أدلة على الإبادة المبيتة
قدم فيلم "الإبادة المبيتة" الدليل على أن عملاء الحكومة كانوا يشاركون في إشعال فتيل أعمال الشغب ضد المسلمين.
وتظهر وثيقة عسكرية رسمية، حصلت الجزيرة على نسخة منها، استخدام خطاب الكراهية الذي يزعم أن الميانماريين في خطر لأن المسلمين أوشكوا على افتراسهم.
كما يكشف التحقيق النقاب عن أن الحكومة تستخدم بلطجية مستأجرين لبث الكراهية، ووصفت عضوة سابقة في جهاز الاستخبارات العسكرية المرعب في ميانمار كيف أنها شاهدت بنفسها عملاء الحكومة المكلفين بإثارة الشغب يفتعلون المشاكل مع المسلمين، وقالت -شريطة عدم الإفصاح عن هويتها- "كان الجيش يتحكم في الأحداث من وراء الكواليس، ولم يكن يشارك بشكل مباشر، وكان يدفع الأموال للناس القادمين من الخارج".
ومن الأدلة الأخرى التي تم التوصل إليها وثيقة سرية تحذر من احتمال وقوع "شغب وعنف مجتمعي في كافة أرجاء البلاد"، وقد أرسلت هذه الوثيقة بشكل متعمد إلى البلدات للتحريض على الخوف من المسلمين.
كما أن أدلة واردة من داخل المؤسسة الدينية البوذية تكشف النقاب عن أن الرهبان البوذيين الذين كانوا يتحدون النظام العسكري في ثورة الزعفران عام ٢٠٠٧ بدؤوا يتلقون الأموال مقابل الانضمام إلى الجماعات المؤيدة للحكومة والمناهضة للمسلمين.
بينما تتوفر الأدلة على أن حكام ميانمار العسكريين تعمدوا إشعال فتيل الاضطرابات المجتمعية خلال سنوات الدكتاتورية، لا يوجد حتى الآن دليل على أن تلك الحال استمرت بعد التحول نحو الديمقراطية الجزئية.
وبحسب مات سميث مؤسس المجموعة الحقوقية "فورتيفاي رايتس"، فإن الأدلة بشكل عام تشير إلى عودة هذا التوجه إلى السطح من جديد، و"في حالة الروهينغا، خاصة حال ولاية راخينا، يمكن أن يرقى ذلك إلى جريمة الإبادة الجماعية"، ومن وجهة نظره فإنه ينبغي أن يخضع عدد من أكبر الناس نفوذا في البلاد إلى تحقيق دولي بشأن الأوضاع في ولاية راخينا.
 وثائق سرية
وحصل فريق تحقيقات الجزيرة على ثلاث وثائق سرية في غاية الخطورة، تشكل مجتمعة دليلاً قوياً على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد شعب الروهينغا من قبل الحكومة، بحسب ما أكده طلاب كلية القانون في جامعة ييل، وما أكده الباحثون في المبادرة الدولية الخاصة بجرائم الدولة التابعة لجامعة كوين ماري في لندن.
الوثيقة الأولى
توثيق لأمر رئاسي بإنهاء كافة عمليات أطباء بلا حدود في شمال ولاية راخينا، وقد تم طرد هذه الهيئة الخيرية بسبب تقرير أرسل إلى وزارة الصحة في راخينا بشأن مقتل خمسين من الروهينغا في قرية دو تشاي أردان. يقع هذا الخطاب ضمن صلاحيات وزير الداخلية، مما يثبت أن أعلى السلطات في نايبايداو كانت مسؤولة عن اتخاذ القرار.
الوثيقة الثانية
تكشف الوثيقة الثانية عن قرار رسمي بحظر السفر على المسلمين باستخدام الحافلات بين تانغوب ويانغون.
الوثيقة الثالثة
وصدرت هذه الوثيقة في أوج انتفاضة عام ١٩٨٨، وتشير  إلى رغبة الاستخبارات العسكرية في المشاركة في أنشطة من شأنها أن تربك الجمهور.
المسلمون محرومون
في الانتخابات العامة التي ستجرى الشهر القادم، يتنافس حزب الاتحاد من أجل التضامن والتنمية مع عدد كبير من الأعراق والأحزاب، إلا أن منافسه الأساسي هو الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية التي تقودها أونغ سانغ سوو كيي.
ويعد الاقتراع مرحلة قادمة مهمة ضمن الخطى التي تسلكها البلاد نحو الديمقراطية الكاملة، وقد بدأت عملية الإصلاح في ميانمار منذ عام ٢٠١٠، حينما استبدل الحكم العسكري بحكومة مدنية يدعمها العسكر.
ولكن منذ أن تنحت جانباً الطغمة العسكرية عام ٢٠١١ استغلت جماعات من المتطرفين البوذيين عملية الانفتاح لتكتسب نفوذاً متزايداً في العملية السياسية داخل البلاد. وقد تم إقصاء المرشحين المسلمين من الانتخابات القادمة في ما يعد محاولة لإرضاء المتطرفين. 
في مطلع هذا العام، حرم مئات الآلاف من مسلمي الروهينغا من حقوقهم، وذلك عندما سحبت الحكومة بطاقات الجنسية المؤقتة التي كانت تسمح لهم بالاقتراع.

التعليقات

الأكثر قراءة

كاريكاتير

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر